مسيرة شفافة من العطاء نتبع خطواتها الإدارية و نطمح أن نصل بطموحنا إلي قمة النجاح عيون كلباء
دقيق في مواعيده ومنظم في أحاديثه لا تعوزه اللباقة واختيار المفردات، فهو رجل أخذ على عاتقه إنشاء مركز لتأهيل وتدريب الموارد البشرية، وينظم في مركزه دورات تعنى باستغلال الوقت وايجاد إداري ناجح، وعلى هذه الخلفية تراه إنساناً متسقاً مع ذاته وطموحاته وإمكاناته أيضاً، ساعدته في ذلك النشأة في عائلة دأبها التعليم فلجده ووالده رصيد في تحفيظ القرآن وتعليم الصغار.
في هذه الأجواء نشأ يوسف عبدالله البديع، يدرس ويلعب ويساعد والده في أعمال المزرعة، متحملاً المسؤولية مبكراً بحكم أنه أكبر الأبناء. يقول يوسف الذي جاء إلى الحياة في بدايات ستينات القرن الماضي، عاصرت جدي وهو يفتح بيته أمام الأولاد الصغار الذين يأتون ليدرسون ويحفظون القرآن على يديه، لكنها كانت فترة بسيطة بعد أن تم افتتاح المدرسة في المدينة، تولت تدريس وتعليم أبناء المنطقة، غير أن والدي أخذ عن جدي علوم القرآن وقام بتحفيظه للصغار، والشيء نفسه كان مع والدتي وشقيقتي الكبرى رحمها الله، فقد كانتا تعلمان البنات في بيتنا. لكنني لم آخذ عن جدي سوى النذر اليسير من التعليم وحفظ القرآن قبيل دخولي للمدرسة، ومع ذلك فقد تعلمت منه الكثير من المناحي الأخلاقية والتربية، وكان والدي يعمل في المزرعة إضافة إلى تحفيظ القرآن وإلقاء خطبة الجمعة التي كان يكتبها بنفسه.
وفي عام 1975 التحق بوزارة الأوقاف إمام مسجد ومأذوناً شرعياً، ولا يزال يزاول مهامه، وكان للزراعة حضورها الطاغي عندنا، فكنّا نتنقل بين المزرعتين اللتين نملكهما، وكانت المياه متوفرة بكثرة، فكثرت معها المحاصيل التي تشمل التمر والفواكه والخضراوات. وأذكر أنني كنت أذهب مع عمي إلى دبي يوماً بعد يوم على عربة «نصف نقل» محملة بالخضار، وكانت هذه العربة مملوكة لوالدي بالشراكة مع أحد الأشخاص، المهم أننا كنا نذهب إلى سوق الخضار في دبي باستمرار لنبيع المحاصيل، وقد علمتني هذه التجربة فن التجارة منذ الصغر، والاعتماد على النفس، كما كان والدي يصطحبني معه إلى مجالس الكبار، فاستمع ولا أتحدث، فقد كانت هناك آداب للحديث وللاستماع، فهم على رغم معاناتهم اليومية كانوا أصحاب حس فكاهي في سرد الحكايات، وأحاديثهم الجدية، كنت مفعمة بالمعلومات القيمة التي تنم عن وعي وفقه في أمور الدين، لربما الذاكرة لا تسعفني لسرد التفاصيل، ولكن تبقى تلك الفترة عامرة بذكريات أنا نفسي أعود لوالدي حتى يذكرني ببعضها عندما أكون بحاجة لمعرفة شيء قد نسيته.
شغوف بالمعلمين والدراسة: يوسف البديع لا يخفي تأثره الكبير بجده ووالده فنشأ متديناً ومحافظاً، واستمر على هذا المنوال طوال مسيرته الحياتية، وهو يتخذ من والده مثلاً أعلى في حياته، فجاءت مرحلة الطفولة محملة بالجدية في معظم الأحيان، يقول: الجدية كانت طابعاً يغلب على الجميع، صحيح أننا كأطفال كنا نلهو ونلعب، لكننا في الوقت نفسه نقوم بمهام مفيدة سواء في البيت أو المزارع أو في أعمال الصيد، إضافة لدراستنا، والحق أننا لم نمارس الألعاب الشعبية بكثرة لمعرفتنا بكرة القدم في تلك الفترة، وكان لنادي العروبة دور كبير في جمع المواهب المختلفة، فأصبحت ممارستنا لكرة القدم في المدرسة وفي النادي، وقد كنت لاعباً مميزاً وهدافاً للفريق، وأصبحت في فترة لاحقة لاعباً أساسياً في فريق نادي العروبة قبل أن يتحول ويصبح نادي اتحاد كلباء.
أجواء المدرسة لم تكن غريبة عليّ فالمدرسون كانوا يأتون إلى بيتنا يومياً بحكم أن والدي كان مسؤولاً في المنطقة عن شؤون كثيرة منها التعليم، وأذكر أن الأستاذ أبو المعاطي الذي كان مشرفاً على التعليم بانتداب من حكومة الكويت آنذاك، كان يقيم في بيتنا، وقربه من والدي جعلني أتعرف على شخصيات المعلمين الذين بهروني بثقافاتهم، وعلمهم الواسع وثقتهم بأنفسهم، ومن هنا فرض هؤلاء المعلمون هيبتهم واحترامهم على الجميع، إضافة إلى ذلك فقد سبقني إلى المدرسة ابن عمي وكنت أراه كل صباح يذهب إلى المدرسة حاملاً حقيبته وأنا أستعجل الأيام لأكون مثله.
ومع ذلك فإن التحاقي بالمدرسة كانت له رهبته التي استمرت مع الأيام ثم تلاشت، ساعدني في ذلك تفوقي في الدراسة وثناء المعلمين على اجتهادي، فقد كنت أنجز الواجبات قبل أن أتناول الطعام رغم غضب الأهل إزاء هذا السلوك، ولم تكن الدراسة بحد ذاتها ثقيلة على القلب مقارنة بالمجهود البدني الذي نبذله ذهاباً وإياباً إلى المدرسة، إذ كانت تبعد مسافة كيلومترين عن البيت، وكان لزاماً علينا السير يومياً أربعة كيلومترات في البرد القارس شتاء، وحرارة الشمس صيفاً.
بعدها شهدت أول وسيلة مواصلات استخدمت في نقل التلاميذ، كانت عبارة عن «عربة نصف نقل» مغلقة من الخلف بما يشبه الصندوق، وكان بابها صغيراً وعليه قضبان، هذه العربة كان يتكدس فيها التلاميذ الصغار وطلبة المتوسط والثانوية، الحق انني لم أستسغ ركوبها بعد أن جربتها ليوم واحد، غير أن طلاب المناطق الأبعد كانوا مرغمين عليها ويتحملون الزحام فيها، وكان مصير هذا الصندوق أن اشتراه أحد التجار ووضعه قرب المدرسة ليبيع فيه في تلك الأثناء كانت الباصات الصغيرة قد بدأت بنقل الطلبة من بيوتهم إلى المدرسة.
ومن ضمن ذكرياتي عن تلك الفترة أن المدرسين كانوا يحصلون على يوم واحد إجازة كل شهر، وكان الخميس من أول كل شهر هو اليوم الذي يستغله المدرسون للذهاب إلى الشارقة ودبي ليحضروا مؤنهم، وفي تلك الفترة كانت المواصلات أسهل بكثير عن سابقتها التي يقول عنها والدي في حكاياته لي، بأنهم كانوا يستأجرون جملاً من أحد الأشخاص، ويدفع الجميع أجرة لركوب الجمل بالتناوب حتى يصلون إلى الشارقة، والمضحك أن بعضهم كان يدفع الأجرة ولا يركب لأن الدور لم يصبه طوال الرحلة.
نشاط مسرحي
كانت مرحلة المتوسط نقلة نوعية في حياة يوسف البديع ففي هذه المرحلة كانت مشاركاتي الثقافية قد زادت، وواكبها وجود مكتبة في نادي العروبة الذي أصبحت عضواً بارزاً فيه، واستفدت من قراءاتي الكثيرة، وأصبح دوري في الإذاعة المدرسية مهماً، خصوصاً أن يوم الثلاثاء كان مخصصاً للحديث باللغة الإنجليزية، وقدمت بعض المقاطع المسرحية على المسرح المدرسي لفترة بسيطة، إلى أن جاءت المرحلة الثانوية وتوسعت مداركي.
وفي هذه الفترة التحقت باللجنة الثقافية بنادي العروبة، في تلك الأثناء تعرفت على سعيد الحداد وهو رجل مسرحي من طراز فريد، تحدثنا كمجموعة عن المسرح وضرورة تشكيل فريق لأداء العروض، وكان همنا أن نجد مكانا لعمل البروفات والعروض، وهنا تبرع أحد الأشخاص ببيت يملكه على أن نتحمل فاتورة الماء والكهرباء، وبدأنا في عمل بروفات لمسرحية «حكاية من الماضي» تأليف وإخراج سعيد الحداد، وعزمنا على عرضها يومين، يوم للرجال وآخر للنساء.
لكننا تحققنا من عدم حضور السيدات لمشاهدة العرض، حيث إن المجتمع في ذلك الوقت لم يكن يتقبل خروج النساء الى مثل هذه الاماكن، وحدث ما لم نتوقعه، فقد اكتظت الساحة بالحاضرات من نساء وفتيات بأعداد تفوق حضور الرجال في اليوم السابق مما شجعنا، وجاءت مسرحية «كفاح من اجل العلم» تأليف احمد الهورة واخراج سعيد الحداد لك ان تتعجب من اننا كنا نستخدم اشياء بسيطة للديكور معظمها من متحف النخيل اما الستارة فكانت عبارة عن بطانيات والاضاءة مصدرها كشاف واحد يضرب في وجوهنا اما المسرح نفسه فكان عبارة عن مجموعة من البراميل الفارغة وضعنا عليها جذوع النخيل ومن فوقها الاخشاب.
وكنا نحذر بعضنا من الاماكن الفارغة بين الاخشاب حتى لا يسقط احد كانت الامكانيات بسيطة وبمجهودات ذاتية الى أن دعمنا الشيخ سعيد بن صقر القاسمي كرئيس أعلى لمسرح كلباء وبعد عرضنا الثاني كتبت الصحف عنا وعن مجهودنا فجاء الينا عبدالله المطوع مدير مسرح دبي ومعه عبيد بن صندل وشاهدا بعض المقاطع المسرحية ثم طلبا تصوير مسرحية «كفاح من أجل العلم» لتلفزيون دبي ولكني رفضت لانني لم اكن اسعى للشهرة او للعمل في المسرح رغم انني كنت بطل المسرحية وصاحب الدور الاول فيها والامر الآخر ان امتحانات الثانوية كانت على الابواب وما حدث ان مسرح دبي القومي اعتمدنا اعضاء فيه.
وكان يصرف لكل واحد منا مكافأة قدرها ستمئة درهم شهريا، وفي احدى المرات ذهبنا لصرف مكافأة شهرين، اي 1200 درهم لكل واحد وطوال الطريق كنا نفكر فيما نستغل هذا المبلغ وقد كان كبيرا بالنسبة لنا في ذلك الوقت اذكر انني اشتريت جهاز كاسيت لسماع الاذاعة والاغاني كنت وقتها استمع لام كلثوم ونجاة وعبدالكريم عبدالقادر وعبدالحليم حافظ وكان ذلك في ايام الشباب اما الان فلا اسمع الاغاني ولا أجد الوقت لذلك.
تفتح الشعر
قبل ان يطوي يوسف البديع صفحة الثانوية يعود بنا الى حدث صاحبته بعض المفارقات يقول كان دخول الكهرباء الى مدينة كلباء حدثا مهما استفاد منه قلة لضيق ذات اليد وكانت بيوت الشيوخ وبعض الاعيان هي اول ما دخلتها الكهرباء اضافة الى مدرستي البنين والبنات وكنت في مرحلة المتوسط وعندما اذهب الى المدرسة صباحا اجد طلبة الثانوية في الفصول فقد كانوا ينامون في المدرسة بعد ان يذاكروا دروسهم في ضوء المصابيح.
لم يكن ممنوعا عليهم هذا الامر ابدا، وكان المدرسون المبكرون يوقظونهم من نومهم يوميا اما مرحلة الجامعة بالنسبة لي فقد كانت مثمرة للغاية ودرست بجامعة الامارات وتعرفت على مفاهيم وثقافات جديدة وكونت علاقات صداقة مع زملاء من مختلف امارات الدولة واثناء دراستي نضجت تجربتي الشعرية فقد كتب الشعر ومازلت اكتبه غير ان اهتماماتي الاخرى بدأت تحقق تدريجيا ولم اعد اتعاطى مع المسرح واقتصرت مشاركاتي في انشطة الجامعة على كرة القدم فقط اما الاجازات فقد كنت اقضيها في المزرعة اساعد والدي كما قلت سابقا.
وفي تلك الفترة ازدادت قراءاتي واتسعت فقرأت للمنفلوطي والرافعي وغيرهما واستمررت على هذا المنوال إلي أن تخرجت من كلية الشريعة والقانون عام 1984، وبعد التخرج عرض علي أن أعمل وكيل نيابة وقد كنت مسجلاً في المحاماة ومارستها فترة، ولكن الوضع لم يعجبني في المحاماة ارتضيت النيابة، وتحولت إلى وزارة الأوقاف. وفي عام 2000 كنت مع الدكتور طارق سويدان في دورة تدريبية بعنوان «إدارة الأولويات» ودار بيننا نقاش تمخض عن فكرة إنشاء مركز لتدريب وتأهيل الموارد البشرية.
وظلت هذه الفكرة تراودني إلى أن أسست المركز بتمويل شخصي قبل عامين، وكان هدفي منه أن أقدم خدمة للوطن وللمواطنين أولاً، ومن ثم التفكير في المكسب المادي وهو حق مشروع بالتأكيد. أعتقد أن المركز يسير بخطى ثابتة وأصبح قبلة للكثيرين من الشباب.
أنا محب للطبيعة، وأستمتع بوقتي في المزرعة مع الأصدقاء الذين يأتون من حين إلى آخر لنقضي ساعات جميلة، أتفرغ تماماً يوم الجمعة أقضيه مع العائلة والوالد، والحمد لله الذي رزقني بأربعة أولاد وأربع بنات أرى المستقبل مشرقاً أمامهم وأحلم بتحويل المركز التدريبي والتأهيلي إلى معهد كبير يضم جميع التخصصات والهوايات، والدراسات تحت سقف واحد. وأعمل في هذا الاتجاه ولكن أنتظر الوقت المناسب، أيضاً أنا بصدد إعداد بحث جديد سأقدمه كمشروع لرسالة الماجستير.
امتداد لعائلة عريقة
يقول هاشم يعقوب البيرق: لا شك أن يوسف البديع هو آخر امتدادات عائلة عريقة أو على الأقل أنا آراه على هذا النحو، فهو من أسرة كريمة اتخذت من كتاب الله منهجاً للحياة، فهو من بيت علم وعلماء، جده ووالده ووالدته وشقيقته كان لهم فضل كبير على أهالي المنطقة، فقد علموا القرآن وفتحوا بيتهم حيث يلتقي الجميع، وهذا البيت لم يكن للعلم فقط، فقد كان مفتوحاً على الدوام أمام أهل المنطقة وأولادهم، وقد جمعتني بيوسف علاقة صداقة وأخوة منذ الصغر، وزاملته في الدراسة وفي النادي ومازالت حتى الآن صداقتنا مستمرة.
وما أذكره عنه أنه كان مدللاً بالنسبة لأسرته كونه الأكبر، ولكن هذا الدلال كان بتحفظ شديد ليس بالمعنى الدارج حاليا وكان مجتهداً في دراسته، ومتفوقاً على أقرانه، وهو جاد جداً في تعاملاته. ولا يقبل الهزل في أوقات العمل، وجديته هذه تحتم عليه التعامل بوسطية مع الآخرين، ويعيش على الفطرة وليست لديه حسابات معقدة مثل بقية الناس، ولهذا آراه طيباً وخلوقاً وحسن المعشر، يساعد الآخرين تماماً مثلما كان يفعل جده ويفعل والده حتى الآن.
وأذكر أنني علمته قيادة الدراجات الهوائية إلى أن أجادها فاستخرج بعد ذلك رخصة قيادة دراجة نارية. ويقول عبيد سعيد الكندي: يوسف البديع رجل محترم ومن عائلة كريمة حافظة للقرآن وقامت بتحفيظه للصغار والكبار في فترة ما قبل التعليم النظامي، وهو إنسان على خلق كريم تربى في كنف هذه العائلة، كما أننا نشهد له بالتميز والخبرة في تخصصه ونشاطه في علم الإدارة ونحن في مستشفى كلباء نستأنس برأيه في الشؤون الإدارية ونستمع له ونعمل بمقترحاته، ونحن على تواصل مستمر سواء على الهاتف أو عبر الزيارات المتبادلة.
عزالدين الأسواني
زاوية مرايا البيان 2007-07-06