| شبكة آخبار كلباء |
أحمدجمعة الهورة بكل عفوية وصدق وكل احترام لهذا الرجل الذي أنعم الله عليه بحب الخلق له نتطرق في حياته بسطور من الفخر والإعتزاز كونه يمثلنا في أرقى قطاعات الحكومة وأعلى مناصبها نقدمه في صفحة ونعلم أنه أكبر منها بكثير عيون كلباء الصدفة وحدها جعلت موعد اللقاء به بعد ثلاثة أيام فقط من مرور الإعصار «جونو» على منطقة ساحل الخليج، فكان لمدينة كلباء نصيبها من الأضرار البسيطة، أخذني في جولة وهو يتحدث بحب كبير عن مدينته التي تستحق اهتماماً أكبر من وجهة نظره. باعتبارها منطقة سياحية على شاطئ الخليج، المكالمات الهاتفية لم تنقطع مع فرق العمل التي تواصل إزالة آثار تراكم الماء في الشوارع، وتوقف حديثنا تماماً احتراماً لاجتماع طارئ يناقش تعويضات المتضررين المواطنين، هذه السويعات القليلة كشفت عن شخصية مهمومة بإنجاز مهامها حتى بعد ساعات العمل الرسمي، وبغض النظر عن منصبه مديراً لبلدية كلباء، فأحمد جمعة الهورة يرى في خدمة المواطنين متعة وتعاضداً مع مجتمع اعتاد على روح التعاون والتماسك في الشدائد قبل الأفراح. في منطقة «المحطة» بكلباء مع بداية الستينات ولد أحمد الهورة الأكبر بين أخوته الخمسة، تفتحت عيناه على حياة البحر وطقوسه وألعابه في زمن كان البحر مصدراً للرزق لمعظم سكان السواحل، الحمد لله نحن أسرة ميسورة الحال ومعروفة بالصيد ولدينا مزارع كبيرة، كان جدي صياداً يمتلك سفينة كبيرة «العاملة»، وكان يعمل معه ما يقارب خمسين شخصاً على ظهرها. وقد أخذ والدي مهنة الصيد عن جدي، إضافة إلى عائدات مزارعنا من التمور والخضراوات والموالح، وما أذكره عن جدي أنه كان رأس الفريج يحل المشكلات وكلمته كانت مسموعة لدى الجميع، وقد عشت فترة الطفولة في أجواء مجتمع يحترم صغيره الكبير، وكان الناس متعاونين إلى حد لا يوصف، لدرجة أن أية وجبة غذائية لا يمكن أن تمر من دون أن يجتمع عليها عدد من أهل الفريج أو بحضور ضيوف، ناهيك عن تجمع أفراد العائلة على مائدة الطعام في كل الأوقات، وفي رمضان فحدث ولا حرج عن روح التضامن والتكافل بين الجيرة والأقارب، وأحمد الله على أنني عاصرت تلك المرحلة التي أثرت في شخصيتي. ومن الذكريات الجميلة في تلك الفترة ذهبنا إلى المزارع في فصل الصيف، ومعظم المزارع كانت موجودة في وادي «سام» وكان الوادي ولا يزال قبلة للمصيفين من الشارقة ودبي وغيرهما، ومزارع كلباء مشهورة بزراعة المانغو والليمون والموالح بشكل عام، إضافة إلى أشجار النخيل، والخضراوات، أما فصل الشتاء فكنا نقضيه في الفريج، نلعب على شاطئ البحر ونصطاد الأسماك وطيور النورس، وكانت لدينا طرقنا البدائية التي اخترعناها نحن الصغار بأنفسنا لنصطاد النوارس (المبحلة)، كما كانت لدينا وسائلنا البدائية في صيد الأسماك، ولا أخفيك سراً إذا قلت لك بأن البحر كان وما زال يمثل مرجعيتنا الطفولية وذكرياتنا الجميلة، فالسباحة مثلاً جزء مهم في حياتنا، ولا أظن أن أحداً من شباب ورجال كلباء لا يجيد السباحة. مؤلف مسرحي في الثانوية: أنا مولع بالصيد، وما زالت حتى الآن أمارسه كل أسبوع ولدي طراد أخرج عليه مع الأصدقاء في رحلات بحرية بشكل منتظم، وتعود هذه الهواية لطبيعة عمل والدي وجدي بمهنة الصيد. كنت محظوظاً بأنني كنت من أسرة تحب التعليم وتحرص عليه، على الرغم من أن والدي لم يكن متعلماً بما فيه الكفاية، كما كانت والدتي حريصة على تعليمنا بالقدر نفسه، وقد كان لذلك أثره على تفوقي وحبي للدراسة، ومن نوادر متابعة والدتي لتحصيلنا الدراسي، أخي الأصغر حصل على المركز الثاني في ترتيب نهاية العام، بينما حصل ابن خالنا على المركز الثالث عشر، فقامت والدتي بتوبيخ أخي الأصغر لفهمها أن الترتيب الأعلى بشكل معكوس. التحق أحمد الهورة بمدرسة سيف اليعربي وهي المدرسة الوحيدة التي كانت موجودة بكلباء في ذلك الوقت، يقول ويعود إنشاؤها إلى عام 1961، وكانت تشمل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، وفي بدايات افتتاحها كان التعليم فيها للأولاد والبنات، ولكن بشكل منفصل، إذ كان يوضع حاجز بين فصول الأولاد وفصول البنات، ودخولي إلى المدرسة في الأيام الأولى شابه الكثير من الخوف والرهبة، لكنني سريعاً ما انخرطت في التحصيل الدراسي وانقلب خوفي إلى شقاوة ازدادت في المرحلة الإعدادية. فقد كنت مشاكساً مع أساتذتي تماماً كما هو الحال بالنسبة لأقراني، المدرس الوحيد الذي استطاع أن يجبرني على احترامه هو محمد سليمان العلوي، وكان يدرسنا مادة التربية الدينية، وقد كان إنساناً فاضلاً ومثقفاً كبيراً، وعندما أراد أن يقوّمني أهداني كتاباً عن سيرة الصحابة، فلما قرأته استفدت منه رجعت إليه معتذراً وأصبحنا أصدقاء، وهذا الأستاذ الفاضل له أثره الكبير على شخصيتي وتغيير مجرى حياتي فيما بعد. وكنت تلميذاً نجيباً ومتفوقاً في دراستي وأحصل دائما على درجات عالية، وهذا التفوق أهلني للمشاركة في الإذاعة المدرسية بصورة منتظمة، وكنت في مقدمة الطلبة الذين يتم اختيارهم في الأنشطة الثقافية والمعسكرات الكشفية وفعاليات المدرسة المختلفة، إلى جانب ذلك مارست لعبة كرة القدم، وكنت لاعباً مميزاً في كرة القدم، ظلت معي حتى وقت قريب، وبالأخص عندما توليت مسؤولية مدير البلدية. استمر التفوق الدراسي معي حتى مرحلة الثانوية وأهلتني أيضاً لأكون رئيساً لاتحاد الطلبة في المرحلة الثانوية، وقد شهدت هذه المرحلة نشاطاً مكثفاً في الجوانب الثقافية والفنية، حيث شاركت مع شباب كلبا وعلى رأسهم سعيد الحداد في تفعيل الحركة المسرحية في كلباء، وكتبت نصاً مسرحياً بعنوان «كفاح من أجل العلم» وأخرجه الأستاذ سعيد، وكم كانت فرحتنا بنجاح هذا العمل وإقبال جمهور الأهالي عليه، مع العلم أننا كنا نقوم بعمل البروفات والعروض في منزل شعبي استأجرناه لهذا الغرض. وأصبح مقرنا الذي نتواجد فيه. وقمنا بعمل خشبة مسرح بالجهود الذاتية، بعد هذه المسرحية ونجاحها تشجعت أكثر ودخلت مجال التمثيل، حيث أديت دوراً في مسرحية «حقك علينا يا بحر»، لكن ظلت الكتابة الإبداعية هي هاجسي الأكبر، فكتبت مسرحية بعنوان «الأرض عرض»، ثم كتبت مجموعة من القصص القصيرة، هكذا كانت مرحلة الثانوية مفعمة بالنشاطات الثقافية والمشاركات الفنية، وأيضاً كانت لدي مشاركاتي المميزة في «كأس العلم» وهي مسابقة بين المدارس على شكل دوري كان يقام كل عام. زوج في المرحلة الجامعية في فترة الثانوية وصلت إلى مرحلة النضج الثقافي والمعرفي، وبدأت شخصيتي تتبلور وتتحدد أمامي الخطوات، فقد أصبحت مسؤولاً عن اختياراتي التي جاءت مرضية والحمد لله، التحقت بجامعة الإمارات وتخصصت في الخدمة الاجتماعية إلى أن حصلت على ليسانس آداب علم اجتماع، وكانت هذه رغبتي التي أفادتني كثيراً في حياتي المهنية والعملية في التعامل مع الناس، كانت الدراسة في الجامعة هي شاغلي الأول والأخير، فقد ابتعدت عن تجمعات الطلبة وانتخابات رئاسة الاتحاد، لكنني استمريت في ممارسة الرياضة وخصوصاً كرة القدم ضمن الأنشطة الطلابية في الجامعة. لكن الأهم هو أنني كونت صداقات جديدة مع زملاء من دبي وأبوظبي والشارقة، وأصبحت أكثر انفتاحاً على ثقافات أعمق فازدادت قراءاتي الأدبية وعلى هذا المنوال سارت دراستي الجامعية، لكن حدث ما يستحق الذكر هنا، وهو أنني تزوجت وأنا في السنة الثانية في الجامعة، كان ذلك في عام 1982، وبرغبة ملحة من والدتي، كان زواجاً تقليدياً تماماً، ووافقت عليه فوراً، ولم أبد ممانعة، والحمد لله أن الزواج في تلك الفترة أحدث توازناً نفسياً عندي. وأصبحت مقبلاً على الدراسة دونما التفات إلى المؤثرات الجانبية المحيطة بالشباب، ويجب أن أسجل أيضاً بأن الزواج المبكر للشباب يجنبهم الكثير من إضاعة الوقت والتفكير السلبي، وها أنا أب لسبعة أولاد وبنت، أكبرهم عمر وهو في كلية الطب بجامعة الشارقة، ومحمد بكلية الشريعة، أما صقر فهو يدرس بكلية الشرطة بالكويت، وبقية الأولاد في المراحل الثانوية والإعدادية والابتدائي. في عام 1986 تخرجت من الجامعة، وفي الوقت نفسه التحقت بالعمل في وزارة التربية والتعليم أخصائياً اجتماعياً، حتى عام 1997، وكانت تجربة ثرية بالنشاطات سواء في المدرسة أو خارجها، وظلت مشاركاتي في الفعاليات المجتمعية فكنت من المؤسسين لجمعية المعلمين وواحداً من الناشطين في تفعيل دورها. وفي عام 1997 التحقت بالعمل في بلدية كلباء مديراً لأحد فروعها وتدرجت في مهامي الوظيفية إلى أن أصبحت مديراً لبلدية كلباء. هنا أصبحت المسؤولية أكبر، وإرضاء المراجعين هم ثقيل باختلاف طلباتهم ومتطلباتهم، لكنني والحمد لله أبذل قصارى جهدي للارتقاء بخدمة المواطنين، غير أن للمنصب أثراً كبيراً على النواحي الاجتماعية عندي خصوصاً ما يتعلق بالأسرة والهوايات الشخصية، وتظل خدمة الوطن والمواطنين أمراً أجتهد فيه، وربما تكون الأحداث الأخيرة التي خلفها الإعصار «جونو» خير شاهد على مجهوداتنا في بلدية كلباء لمساعدة المواطنين المتضررين، وإعادة الحياة الطبيعية لشوارع المدينة في وقت وجيز رغم قلة الإمكانيات. لا شك أن البيئة أثرت كثيراً في هواياتنا، وأظن أثناء مدينة كلباء نتمتع بنعمة طبيعية قل أن تجدها في مكان آخر، فالهدوء ميزة لا يمكن أن نغفلها، والمناظر الطبيعية والأودية في غاية الروعة، وهذا ما جعلنا نخرج أيام الخميس والجمعة من كل أسبوع لنستمتع بهذه الأجواء. ولا أخفيك سراً إذا قلت لك بأنني كثير السفر إلى البلدان المختلفة، لكنني عندما أعود إلى مدينتي أشعر بأنني ولدت من جديد، فكلباء وعلى الرغم من قلة الإمكانات السياحية أعتبرها من أجمل المناطق التي حباها الله طبيعة فطرية رائعة. وهي بهذه الإمكانات البسيطة قادرة على استقطاب الزائرين من مختلف الجنسيات، فنقوم برحلاتنا البرية في الأودية ونقضي ساعات جميلة، من بيننا من يريد العزف على العود ويغني ونحن نردد وراءه، أيضاً نطهو الطعام بأنفسنا، وأشارك في عملية الطهي، وأذكر هنا أنني كنت في بريطانيا أتلقى دورة في اللغة الإنجليزية، وكنت مع صديق نسكن مع عائلة بريطانية، وفي أحد الأيام فكرنا في أن نغير طعامنا وقد اشتقنا إلى وجباتنا الخليجية، فأحضرنا دجاجاً وحضرنا وجبة «المكبوس»، فلما تذوقت العائلة البريطانية طعامنا طالبونا بالمزيد منه، ومعروف عن البريطانيين أنهم يأكلون القليل من الطعام، ولكن في هذه الواقعة حدث العكس. يتعامل بشفافية عضو المجلس الوطني الاتحادي محمد عبدالله الزعابي يقول زاملت أحمد الهورة أيام الدراسة ووجدته طالباً مجتهداً ومتفوقاً دائماً، وهو من الكفاءات الممتازة، عرفته في مرحلة الثانوية كاتباً قصصياً ومشاركاً في المسرح، وكانت لديه هواية كتابة الشعر الحر أيضاً، وهو إنسان صبور ومكافح لا يرضى بالتوقف عند نجاح معين، ودائماً ما تجده في المناسبات والفعاليات الاجتماعية والرياضية، وله مساهماته في المجال الثقافي في مدينة كلباء. كما أنه يحب عمله ويتفانى في تقديم العون والخدمات للآخرين، وهو إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يراعي مصالح الناس، ويتعاطى معهم بشفافية وصدق، وهذا ما اتضح جلياً خلال احداث «جونو» ولهذا أقول إن أحمد الهورة هو الرجل المناسب وفي المكان المناسب، أما عن صداقتي له أيام الدراسة فهي فترة جميلة، أذكر منها شقاوته المحببة. والحق أنه لم يكن متفرداً بهذه الشقاوة، بل كان واحداً ضمن مجموعة كانت تمارس نوعاً من الممارسات الطفولية البسيطة، لكنه في الوقت نفسه كان مجتهداً في دراسته، ومتفوقاً على أقرانه، أما كرة القدم فقد كان يمارسها بشغف كبير، وكان مهاجماً وأحياناً مدافعاً، وهو لاعب جيد غير أنه لم يفكر يوماً بالانتماء إلى أحد الأندية، فظلت هواية كرة القدم عنده مجرد ممارسة في أوقات الفراغ، عموماً أتمنى له دوام التوفيق والنجاح في مهامه الموكلة إليه. صادق مع نفسه والآخرين يوسف عبدالله يقول تربطني بأحمد الهورة علاقة صداقة قديمة تعود جذورها لأيام الدراسة، وطوال هذه السنين عرفته إنساناً صادقاً مع نفسه ومع الآخرين، ومخلصاً في عمله ومحباً للخير، صريحاً في آرائه وإن جلبت عليه المشاكل، وهو دائماً يسعى لإحقاق الحق في المواضيع الشائكة التي تطرح عليه، وقد رافقته أيام الدراسة وعرفته كاتباً للمسرح والشعر والقصة، ولكنه ولظروف انشغاله لم يكمل مسيرته الإبداعية. وكان متفوقاً في دراسته، غير أنه كان كثير المشاغبات وأظن أنه مازال على تلك السيرة وإن كان بصورة أخرى، وأذكر أننا كنا عائدين من الفجيرة فاقترح علي أن نركب الطراد إلى داخل البحر حيث مكان الصيد، وكان عنده قرقور مربوط بحبل وكان علينا أن نشده، فقلت له ماذا ستفعل إذا انقطع الحبل ونحن في عرض البحر، فقال لن ينقطع الحبل إن شاء الله، وتشاء الأقدار أن ينقطع الحبل بالفعل فتوقف الطراد بنا في عرض البحر ونحن نضحك على هذه الصدفة الغريبة، لكن الصدفة أيضاً أخرجتنا من البحر حيث جربنا ماكينة الطراد ووجدناها تعمل، عموماً أحمد الهورة إنسان جدير بالاحترام والتقدير، ومهما قلت في حقه فلن أعطيه ما يستحق. عزالدين الأسواني ![]() جريدة البيان قسم ماربا البيان/ بتاريخ 26-6-2007م |
| الساعة الآن +4: 01:10 AM. | |